علي محمد علي دخيل

436

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وغفلنا عن هذا اليوم فلم نتفكر فيه بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ بأن عصينا اللّه تعالى وعبدنا غيره . ثم قال سبحانه إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني الأصنام حَصَبُ جَهَنَّمَ أي وقودها أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ خطاب للكفار ، أي أنتم في جهنّم داخلون لَوْ كانَ هؤُلاءِ الأصنام والشياطين آلِهَةً كما تزعمون ما وَرَدُوها أي : ما دخلوا النار ولامتنعوا منها وَكُلٌّ من العابد والمعبود فِيها أي في النار خالِدُونَ دائمون لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ أي صوت كصوت الحمار وهو شدة تنفسهم في النار عند احراقها لهم وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ أي لا يسمعون ما يسرّهم ولا ما ينتفعون به ، وإنما يسمعون صوت المعذّبين ، وصوت الملائكة الذين يعذّبونهم ، ويسمعون ما يسوءهم . وقيل : يجعلون في توابيت من نار فلا يسمعون شيئا ، ولا يرى أحد منهم أنّ في النار أحدا يعذّب غيره إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أي الموعدة بالجنة أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها أي يكونون بحيث لا يسمعون صوتها الذي يحسّ وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ من نعيم الجنة وملاذها خالِدُونَ أي دائمون . والشهوة : طلب النفس اللذة يقال : اشتهى شهوة وقيل إن الذين سبقت لهم منا الحسنى عيسى وعزير ومريم والملائكة الذين عبدوا من دون اللّه وهم كارهون استثناهم من جملة ما يعبدون من دون اللّه عن الحسن ومجاهد وقيل إن الآية عامة في كل من سبقت له الموعدة بالسعادة لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ أي : الخوف الأعظم وهو عذاب النار إذا أطبقت على أهلها عن سعيد بن جبير وابن جريج وقيل هو النفخة الأخيرة لقوله ونفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه عن ابن عباس وقيل هو حين يؤمر بالعبد إلى النار عن الحسن وقيل هو حين يذبح الموت على صورة كبش أملح وينادى يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت ؛ وروى أبو سعيد الخدري عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم قال : ثلاثة على كثبان من مسك لا يحزنهم الفزع الأكبر ولا يكترثون للحساب : رجل قرأ القرآن محتسبا ثم أمّ به قوما ، ورجل أذّن محتسبا ، ومملوك أدّى حقّ اللّه عزّ وجل وحق مواليه وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ أي تستقبلهم الملائكة بالتهنئة يقولون لهم هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الدنيا فأبشروا بالأمن والفوز . 104 - 112 - يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ المراد بالطي هنا هو الطي المعروف ، وأن اللّه سبحانه يطوي السماء بقدرته ، كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ والسجل صحيفة فيها الكتب ، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والكلبي ، وعلى هذا فمعناه : نطويها كما تطوى الصحيفة المجعولة للكتاب ، ويجوز أن يكون المراد بالكتاب المكتوب ، وقيل : إن السجلّ ملك يكتب أعمال العباد ، عن أبي عمرو والسدّي كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة ، كذلك نعيدهم ، أي قدرتنا إلى الإعادة كقدرتنا على الابتداء عن ابن عباس وَعْداً عَلَيْنا أي وعدناكم ذلك وعدا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ما وعدناكم من ذلك وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ان الزبور : كتب الأنبياء ، ومعناه : كتبنا في الكتب التي أنزلناها على الأنبياء من بعد كتابته في الذكر ، أي أم الكتاب الذي في السماء وهو اللوح المحفوظ عن سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ قيل : يعني أرض الجنة يرثها عبادي المطيعون عن ابن عباس وسعيد بن جبير وابن زيد ، فهو مثل قوله : وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ، وقوله الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ . وقيل : هي الأرض المعروفة يرثها أمة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم بالفتوح بعد اجلاء الكفار كما قال صلّى اللّه عليه وآله وسلم : زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها عن ابن عباس في رواية أخرى ، وقال أبو جعفر عليه السلام : هم أصحاب المهدي عليهم السلام في